محمد بن محمد حسن شراب
39
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
الشعراء ، وليس من المعهود في أخلاق العرب أن يعرضوا مفاتن الحليلات على الناس . الملاحظة الثالثة : جعل شكوى الشاعر من حرّ الهجير ، ووصف الراحلة ، ووصف ما عانت من تعب الارتحال وسيلة ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء والطلب . ولنا هنا تعليقتان : الأولى : كون وصف الراحلة والطريق من خصائص قصيدة المدح فقط لا يصح ؛ لأن الوقوف على الأطلال ، والنسيب ، ووصف الراحلة يوجد في قصائد الفخر أيضا . فقصيدة لبيد في الفخر ، تبدأ بالأطلال ، وقصيدة الحارث بن حلّزة تبدأ بالأطلال ، وهي في الفخر ، وقصيدة طرفة بن العبد ، يعدّد فيها مفاخره وبدأت بالأطلال . . . والأمثلة لذلك لا تحصى . وليست كلّ قصيدة مدح تتبع الخطوات التي ذكرها . فقصيدة زهير المعلقة في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف : بدأت بالأطلال ، ووصف الظعائن ، ولم يصف الطريق والراحلة . وقصيدة حسان بن ثابت اللاميّة في مدح الغساسنة ، بدأت بالأطلال ، وثنّت بالمدح . وقصيدة علقمة بن عبدة في مدح الحارث بن جبلة الغساني مطلعها : طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب وهو مطلع في النسيب ، ولم يذكر الأطلال . التعليقة الثانية : حول تفسير سلوك الشاعر هذا المنهج في قصيدة المدح : فإن خطوات قصيدة المدح هي التي أوهمت بتفكك القصيدة العربية . فالقارىء العجل يقول : وما علاقة الأطلال والغزل ووصف الناقة بموضوع المدح ؟ إنّ الشاعر أدخل في القصيدة ما ليس منها . وما نقله ابن قتيبة في تفسير هذا المزج بين المدح وغيره ألقى بعض الضوء على سرّ ذلك ، ولكنه لا يقنع بوحدة القصيدة . والتفسير عندي : أ - إن كلّ ما قاله الشاعر قبل الوصول إلى موضوع المدح ، يفرضه مقتضى حال قصيدة المدح ، وتفرضه السّنّة المتبعة في حال خطاب الطلب . فإنه يغلب على أحوال المادحين ، أن يطلبوا من الممدوح عطاء ، أو يلمحوا إلى حاجتهم من قصد مجلسه . وليس من حسن الخطاب أن يطلب الإنسان حاجته دون تمهيد . قال